ابن أبي الحديد

26

شرح نهج البلاغة

وأما قصة الكتاب الموجود ، فلم يحكها على الوجه ، وقد شرحنا نحن الرواية الواردة بها . وأما قوله : إنه قال : إن كنت أخطأت أو تعمدت ، فإني تائب مستغفر ، فقد أجابه القوم عن هذا ، وقالوا : هكذا قلت في المرة الأولى ، وخطبت على المنبر بالتوبة والاستغفار ، ثم وجدنا كتابك بما يقتضى الاصرار على أقبح ما عتبنا منه ( 1 ) ، فكيف نثق بتوبتك واستغفارك ! فأما قوله : إن القتل على وجه الغيلة لا يحل فيمن يستحق القتل ، فكيف فيمن لا يستحقه ! فقد بينا أنه لم يكن على سبيل الغيلة ، وأنه لا يمتنع أن يكون إنما وقع على سبيل المدافعة . فأما ادعاؤه أنه منع من نصرته ، وأقسم على عبيده بترك القتال ، فقد كان ذلك لعمري في ابتداء الامر ظنا منه أن الامر ينصلح ، والقوم يرجعون عما هموا به ، فلما اشتد الامر ، ووقع اليأس من الرجوع والنزوع ، لم يمنع أحدا من نصرته والمحاربة عنه ، وكيف يمنع من ذلك ، وقد بعث إلى أمير المؤمنين عليه السلام يستنصره ويستصرخه ! والذي يدل على أنه لم يمنع في الابتداء من محاربتهم إلا للوجه الذي ذكرناه دون غيره ، أنه لا خلاف بين أهل الرواية في أن كتبه تفرقت في الآفاق يستنصر ويستدعى الجيوش ، فكيف يرغب عن نصرة الحاضر من يستدعى نصرة الغائب ! فأما قوله : إن أمير المؤمنين عليه السلام أراد أن يأتيه ، حتى منعه ابنه محمد ، فقول بعيد مما جاءت به الرواية جدا ، لأنه لا إشكال في أن أمير المؤمنين عليه السلام لما واجهه عثمان بأنه يتهمه ويستغشه ، انصرف مغضبا عامدا ، على أنه لا يأتيه أبدا ، قائلا فيه ما يستحقه من الأقوال .

--> ( 1 ) ب ( فيه ) .